محمد بن جرير الطبري
66
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يعني تعالى ذكره بقوله : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ حين جعل سهيل بن عمرو في قلبه الحمية ، فامتنع أن يكتب في كتاب المقاضاة الذي كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين : بسم الله الرحمن الرحيم ، وأن يكتب فيه : محمد رسول الله ، وامتنع هو وقومه من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم عامه ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : كانت حميتهم التي ذكر الله ، إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، حمية الجاهلية ، أنهم لم يقروا " بسم الله الرحمن الرحيم " وحالوا بينهم وبين البيت . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، قال : ثنا عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري بنحوه . حدثني عمرو بن محمد العثماني ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال : ثني أخي ، عن سليمان ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " وأنزل الله في كتابه ، فذكر قوما استكبروا فقال : إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وقال الله : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله ، استكبر عنها المشركون يوم الحديبية ، يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة . و " إذ " من قوله : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا من صلة قوله : لعذبنا . وتأويل الكلام : لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ، حين جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، والحمية فعيلة من قول القائل : حمى فلان أنفه حمية ومحمية ؛ ومنه قول المتلمس : ألا إنني منهم وعرضي عرضهم * كذا الرأس يحمي أنفه أن يكمشا يعني بقوله : " ويحمي " : يمنع . وقال حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ لأن الذي فعلوا من ذلك كان جميعه من أخلاق أهل الكفر ، ولم يكن شيء منه مما أذن الله لهم به ، ولا أحد من رسله . وقوله : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره فأنزل الله الصبر والطمأنينة والوقار على رسوله وعلى المؤمنين ، إذ حمى الذين كفروا حمية الجاهلية ، ومنعوهم من الطواف بالبيت ، وأبوا أن يكتبوا في الكتاب بينه وبينهم بسم الله الرحمن الرحيم ، ومحمد رسول الله وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى يقال : ألزمهم قول لا إله إلا الله التي يتقون بها النار ، وأليم العذاب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف في ذلك منهم ، وروي به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر قائلي ذلك بما قلنا فيه ، والخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي ، قال : ثنا سفيان بن حبيب ، قال : ثنا شعبه ، عن ثور بن أبي فاختة ، عن أبيه ، عن الطفيل ، عن أبيه أبو الطفيل ، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال : " ولا إله إلا الله " حدثني محمد بن خالد بن خداش العتكي ، قال : سمعت سالما ، سمع شعبة ، سمع سلمة بن كهيل ، سمع عباية ، سمع عليا رضي الله عنه في قوله : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال : لا إله إلا الله . حدثني ابن بشار ، قال : ثنا يحيى وعبد الرحمن ، قالا : ثنا سفيان ، عن سلمة ، عن عباية بن ربعي ، عن علي رضي الله عنه ، في قوله : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال : لا إله إلا الله ، والله أكبر . حدثني محمد بن عيسى الدامغاني ، قال ثنا ابن المبارك ، عن سفيان وشعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن رجل ، عن علي رضي الله عنه قال : لا إله إلا الله ، والله أكبر . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن سلمة ، عن عبايه ، عن رجل من بني تميم عن علي